رحلة زمنية لجيل الثمانينات والتسعينات

الأيام القديمة و أوقات النوستالجيا هي حالة نتمنى دائما أن نرجع للوراء قليلاً، أو أخذ إستراحة من زحمة الحياة وتذكر هذه الاوقات العتيقة بكل تفاصيلها....

نوستالجيا- مواضيع راديو

مقتنيات قديمة و ذكريات لجيل الثمانينات و التسعينات

تخيل أنك تجلس الآن في ركنك المفضل، إضاءة الصباح الدافئة تتسلل هادئة من الشباك، وصوت "وشوشة" خفيفة تصدر من راديو خشبي قديم يبحث عن محطته. في الخلفية، ينساب صوت شجي يُعيدك بلا مقدمات إلى زمن آخر.. زمن كانت تفاصيله تُقاس بمدى بساطتها، لا بعدد الإشعارات على شاشة هاتفك المحمول.
اليوم، نفتح معاً صفحة دافئة من كتاب "أيام زمان والنوستالجيا"، لنسترجع تفاصيل عشناها في ذكريات جيل الثمانينات والتسعينات ..  الجيل الذي امتلك حظاً وفيراً بأن يعيش حلقة الوصل بين عالمين؛ عالم البساطة الملموس بالعقل وإحساس المتعة،وعالم التكنولوجيا المزعج الهادر للوقت. فما الذي يجعلنا نحّن إلى تلك الأيام برغم قلة الإمكانيات مقارنة بعصرنا الحالي؟

تفاصيل الصباح التي لا تنسى في بيوتنا القديمة

الذين عاصروا تلك الحقبة يدركون جيداً أن الصباح كان له طعم مختلف تماماً عن اليوم. لم يكن هناك تفقد للرسائل أو تصفح للمواقع فور الاستيقاظ ولا إنتظار رسائل وأصوات جرس الإشعارات. البداية كانت تبدأ بصوت إذاعة القرآن الكريم يملأ أركان البيت بصوت الشيخ محمد رفعت أو عبد الباسط عبد الصمد، ممتزجاً برائحة الشاي الساخن بالنعناع مع رائحة الطعمية الساخنة والفول، وصوت الأمهات وهن يحضرن وجبة الإفطار قبل الذهاب للمدرسة أو العمل.
كانت التسلية محكومة بمواعيد صارمة، وهذا تحديداً ما كان يمنحها قيمة كبرى في قلوبنا. الانتظار والشغف كانا جزءاً لا يتجزأ من المتعة؛ مثل انتظار كارتون السادسة مساءً على القناة الأولى، أو التجمع العائلي المقدس لمتابعة المسلسل العربي اليومي في تمام الساعة الثامنة مساءً. كانت الشاشة الصغيرة ذات "المنحنى" والظهر الكبير تجمع قلوباً واسعة، وبيوتاً مفتوحة لا تغلق أبوابها في وجه الجيران والأقارب، حيث كان الجميع يتشارك الضحكات والتعليقات على الأحداث نفسها.

طقوس المدرسة ومصروف أيام زمان

إذا عدنا بالذاكرة إلى فناء " حوش " المدرسة في ذلك الوقت، سن تذكر تفاصيل صغيرة كانت تشكل عالمنا بالكامل. الحذاء الأبيض المخصص لحصة الألعاب، "المقلمة" الخشبية أو البلاستيكية التي تحتوى على قلم رصاص وحيد وممحاة "أستيكة"، وكشكول التحضير ذو الغلاف البسيط و أوراقة الباهته للون الأصفر.
أما المصروف، فقد كان حكاية أخرى. في ذلك الزمن، كانت قطع العملة المعدنية الصغيرة مثل  و"البريزة" و"الربع جنيه"  و أحياناً " النص جنية " الورق القديم، قادرة على صنع معجزات في دكان البقالة المجاور للمدرسة أو في كانتين المدرسة. كان المصروف كافياً لشراء كيس مقرمشات، وبسكويت بالعجوة، وشراء "لبان سحري" أو زجاجة مياه غازية صغيرة، وربما يتبقى منه ما يوضع في الحصالة الفخارية بالمنزل. لم تكن الخيارات لا حصرية، لكن الرضا كان يملأ القلوب.
طريقة النسخ القديمة..فلسفة شريط الكاسيت
كان امتلاك شريط كاسيت للمطرب المفضل بمثابة كنز حقيقي في غرف شباب ذلك الجيل أو حتى بوستر لهذا أو هذه المطرب\ة. جيل اليوم الذي يستمع للموسيقى بضغطة زر عبر التطبيقات الحديثة لا يعرف طعم الانتظار لساعات طويلة بجوار جهاز التسجيل،
 ممسكاً بأزرار (تسجيل + تشغيل ) معاً لـ "صيد" الأغنية المفضلة فور بدئها في الراديو، مع رجاء حار داخلك ألا يقطع المذيع اللحن بحديثه المفاجئ ليفسد الشريط الماستر!
وحتى الأزمات التقنية الصغيرة في ذلك الوقت كان لها حلول مبتكرة وممتعة؛ فالتواء أو تعرج شريط الكاسيت داخل المسجل وسفّه للداخل كان يعني فوراً استدعاء الأداة السحرية المعتمدة: "القلم الرصاص السداسي الشكل". تدوير الشريط يدوياً بكل صبر وهدوء مثل الفنان محمود الحلفاوي وهو يجلهد في توسيع الديناميت في فيلم الطريق إلى إيلات، لإعادة البكرات إلى مكانها كان يعكس فلسفة جيل كامل تعامل مع الحياة ببطء، واستمتع بكل تفصيلة صغيرة دون عجلة أو ركض وراء الوقت.

ألعاب الحارة وشغف "الآتاري" القديم


في فترات الإجازة الصيفية الطويلة، لم تكن الصداقات افتراضية عن بعد عبر الشاشات الزجاجية، بل كانت تُبنى  في الشارع والحارة مع ألعاب الحركة والركض ألعاب المنافسة البدنية. كنا نخرج مع شروق الشمس ولا نعود إلا مع نداء الأمهات الشهير من النوافذ عند الغروب. من منا ينسى ألعاباً مثل "الاستغماية"، "البلي"، "السبع بلاطات" " النحلة السريعة "، وكرة القدم التي لم تكن تحتاج سوى لـ "كرة شراب" قديمة وبعض الحجارة لتحديد المرمى وسط الشارع.
العاب الاتاري والعاب الشارع زمان - مدونة مواضيع راديو
ومع دخول التكنولوجيا لبيوتنا بشكل تدريجي، تجسدت قمة الإثارة في جهاز "الآتاري" بلايستشن الزمن الجميل الأسود ومسدسه الليزري الرمادي الشهير . محاولات تخطي مراحل ألعاب مثل "سوبر ماريو"، "كونترا"، أو "صائد البط" " سباق السيارات فورمولا "، كانت تصنع بهجة حقيقية تجمع أطفال الجيران بأكملهم في غرفة واحدة يتبادلون الأدوار بكل حب. كانت رسوم تلك الألعاب بسيطة ومربعة، لكنها كانت كافية لإشعال خيالنا وصنع ذكريات لا يمكن لأحدث ألعاب الواقع الافتراضي اليوم أن تعوضها، لأن البهجة وقتها كانت تنبع من المشاركة الإنسانية الحية.

طقوس الأعياد والمناسبات: بهجة من نوع خاص

كان لقدوم العيد أو شهر رمضان طقوس شعورية تبدأ قبل المناسبة بأسابيع. زينة رمضان المجهزة يدوياً من أوراق المجلات والكتب القديمة وطبق النشا المحضر على النار للصق الورق وتثبيته على الخيوط. صوت المسحراتي الحقيقي وهو ينادي الأطفال بأسمائهم في عتمة الليل، وفرحة شراء ملابس العيد والاحتفاظ بها بجانب الوسادة ليلة العيد لرؤيتها كل بضع دقائق من شدة الحماس. هذه المشاعر العفوية كانت تمنح الأيام بريقاً خاصاً، حيث كانت الفرحة جماعية يشعر بها الشارع بأكمله كأنه بيت واحد.

لماذا نَحنّ إلى الماضي؟

الحنين إلى ذكريات جيل الثمانينات والتسعينات جيلنا، ليس مجرد هروب من تعقيدات وزحمة الحاضر، أو لأن الحياة في ذلك الوقت كانت تخلو تماماً من الصعاب والمسؤوليات، بل لأننا كنا نعيش اللحظة بكل حواسنا. كنا نمتلك الوقت للحديث الحقيقي، للتأمل، وللتواصل الإنساني المباشر دون أن ننشغل بتوثيق اللحظة كقصة (الحاله) أو مقطع فيديو قصير على منصات التواصل الاجتماعي لعرضها أمام الآخرين.
كنا نعيش عفوية الأيام، ونحفظ ملامح الوجوه بدقة، أو تصادف في يوم من الأيام أثناء الذهاب مع الأب ومقابلة أشخاص كثيرين ونكتشف بأنه من العائلة من ناحية بعيده ولكنهم من الأقارب، ونستمتع بالدفء الحقيقي الذي كان ينبعث من الأشياء البسيطة والمحدودة حولنا. كانت الحياة أبطأ، لكنها كانت أعمق وأكثر ثباتاً في الذاكرة.
وفي الختام، ينتهي حديثنا، ولكن الذكريات لا تنتهي أبداً. تشاركونا بآرائكم في التعليقات أسفل المقال: ما هي الذكرى أو اللعبة القديمة التي ما زالت محفورة في وجدانكم وتتمنون لو تعود يوماً؟ هل هو تتر كارتون قديم مثل "كعبول" أو " سلاحف النينجا " أو برنامج " سينما الأطفال " وغيرهم، أم تفصيلة دافئة من بيت العائلة القديم؟ 
موقع و مدونة مواضيع راديو

إرسال تعليق

طباعه