إذاعة القرآن الكريم

اذاعه القران الكريم من القاهره،تاريخ الاذاعه القران الكريم، القاهره، مذيعين اذاعه القران الكريم،برامج اذاعه القران الكريم،صوت القاهره،

 

إذاعة القرآن الكريم 

اذاعه القران الكريم


إذاعة القرآن الكريم من القاهرة: تاريخ من العطاء وصوت الحكمة الذي لا يغيب


> في يوم الأربعاء الموافق 25 مارس عام 1964، وتحديداً في الساعة السادسة صباحاً، انطلق صوت خاشع يملأ الأثير من قلب القاهرة، ليعلن عن ميلاد ( إذاعة القرآن الكريم )، أول متخصصة في تلاوة كتاب الله والبرامج الإسلامية في العالم. جاء هذا الحدث استجابةً لخطر حقيقي واجه النص القرآني، ليُحول التحدي إلى فرصة ذهبية، ويجعل من الموجات الكهرومغناطيسية وسيلة لحماية الذكر الحكيم. على مدار ما يزيد عن ستة عقود، لم تكن هذه الإذاعة مجرد نافذة روحية، بل تحولت إلى أيقونة ثقافية وإعلامية، ساهمت في تشكيل وجدان الملايين، وإثراء المكتبة الصوتية بأصوات عمالقة التلاوة، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال. يستعرض هذا المقال الرحلة التاريخية لهذه المحطة العريقة، وسبب نشأتها، وأبرز مساهماتها في خدمة القرآن الكريم، وأهم البرامج والمذيعين الذين صنعوا مجدها، وصولاً إلى حاضرها الرقمي الزاهر.


 1. : صوت القاهرة الذي لا يغيب

إذا كنت من عشاق الاستماع إلى القرآن الكريم، فبالتأكيد سمعت يوماً العبارة التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الإعلام الديني: "هنا القاهرة... إذاعة القرآن الكريم". هذا النداء الذي يرن في آذان الملايين عبر أرجاء العالم، لم يكن مجرد مقطع تسجيلي، بل هو ملخص لتاريخ حافل بالعطاء، وجهد دؤوب لخدمة كتاب الله. تعتبر إذاعة القرآن الكريم من القاهرة أقدم محطة إذاعية متخصصة في بث التلاوات والبرامج الإسلامية على مستوى العالم، وهي تمثل واحدة من أهم نماذج الريادة المصرية في مجال الدعوة والإعلام، حيث مزجت بين الأصالة والحداثة، ونجحت في الوصول إلى قلوب المسلمين قبل عقولهم .


 2. في البداية: قصة تحريف مصحف كانت البذرة


لا يمكن فهم تاريخ إنشاء الإذاعة دون العودة إلى سياقها التاريخي في أوائل الستينيات من القرن العشرين. ففي تلك الفترة، تفاجأت الأوساط الدينية في مصر بظهور طبعة فاخرة ومذهبة من المصحف الشريف، ذات ورق ثمين وإخراج أنيق، وكانت تباع بأسعار زهيدة أو توزع مجاناً على نطاق واسع. لكن سرعان ما انكشف الغطاء عن مؤامرة خبيثة؛ إذ تعمّد واضعو هذه النسخة تحريف بعض آيات القرآن الكريم بشكل مقصود وخفى .


أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو ما حدث في سورة آل عمران، حيث تم حذف كلمة "غير" من الآية الكريمة: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ"، فتحول المعنى إلى ما يخالف تماماً صحيح الدين . عندما اكتشفت السلطات الدينية في الأزهر والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية هذه الجريمة، استُنفِرت جميع الأجهزة لمواجهة هذا الخطر. كان القرار الأولي هو تسجيل القرآن الكريم بصوت أحد القراء على أسطوانات (اسطوانات) وتوزيعها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ووقع الاختيار على الشيخ ( محمود خليل الحصري) ليكون أول من يقوم بهذا الجمع الصوتي، معتبرين ذلك أول جمع صوتي للقرآن بعد الجمع الكتابي في عهد أبي بكر الصديق .


ولكن سرعان ما تبين أن هذه الوسيلة لم تكن كافية؛ فالدول الإسلامية في الستينيات كانت تفتقر إلى أجهزة التشغيل والكهرباء اللازمة لتشغيل هذه الأسطوانات على نطاق شعبي. هنا جاءت الفكرة العبقرية من قبل ( الدكتور عبد القادر حاتم )، وزير الإرشاد القومي آنذاك، والتي لاقت قبولاً وموافقة من الرئيس ( جمال عبد الناصر )، وهي تخصيص موجات إذاعية قصيرة ومتوسطة لبث هذه التسجيلات،وفي الوقت ده، بدأت البيوت المصرية والعربية تشتري أجهزة الراديو الصغيرة (الترانزيستور) عشان تسمع صوت الشيخ الحصري .


 3. تاريخ الانطلاق والإرسال: بداية متواضعة وعطاء متجدد


انطلق أول بث رسمي للإذاعة في تمام الساعة السادسة من صباح يوم الأربعاء 11 من ذي القعدة لعام 1383هـ، الموافق25  مارس عام 1964م . كانت أول تلاوة انطلقت في الأثير هي بصوت الشيخ ( محمود خليل الحصري )، الذي شرف بأن يكون أول من يذيع القرآن كاملاً مرتلاً بتسلسل السور والآيات. بدأت الإذاعة إرسالها لمدة 14 ساعة يومياً مقسمة على فترتين: من الساعة السادسة صباحاً حتى الحادية عشرة، ومن الثانية ظهراً حتى الحادية عشرة مساءً، على موجتين (قصيرة ومتوسطة) .


لم تتوقف الإذاعة عند حد البث المحدود، بل شهدت تطوراً مضطرداً على مدار سنواتها:

 عام 1966: بدأت في تطوير أهدافها بإنتاج وإذاعة برامج ثقافية متنوعة مثل "من تراثنا الإذاعي" و"حقائق وشبهات"، لتصبح منبراً للفكر الوسطي .

عام 1973:  أضافت الإذاعة إلى خريطتها بث صلاة الفجر على الهواء مباشرة، مما أضفى عليها طابعاً روحياً فريداً مع شروق كل يوم جديد، وفي عام 1977 أضيفت صلاة الجمعة .

 عام 1994:  وصل إرسال الإذاعة إلى ذروته بانطلاق البث لمدة 24 ساعة كاملة، لتصبح بالفعل "إذاعة لا تنام"، تغطي جميع أوقات اليوم والليل بتلاوات وبرامج متنوعة .

4. الأيقونات الخالدة: عمالقة التلاوة

استطاعت الإذاعة على مدار تاريخها أن تحتضن كبار قراء القرآن في العالم، الذين أطلق عليهم لقب "عمالقة التلاوة"، حيث أسهموا في تشكيل وجدان المسلمين لأكثر من نصف قرن. ومن أبرز هؤلاء الأعلام الذين لمع نجمهم من خلال أثير هذه الإذاعة :

 الشيخ محمد رفعت (قيثارة السماء): رغم أنه توفي قبل إنشاء الإذاعة بعقدين، إلا أن تسجيلاته النادرة كانت وستظل كنزاً من كنوزها، وافتتح بها الإذاعة المصرية القديمة عام 1934، ويُعد أيقونة التلاوة الخاشعة.

 الشيخ محمود خليل الحصري (صاحب أول جمع صوتي):  كان أول صوت ينطلق من الإذاعة، وهو صاحب فضل تسجيل القرآن الكريم بعدة روايات، واشتهر بدقة أحكامه التجويدية.

 الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (الحنجرة الذهبية):  صاحب الصورة الذهنية للقرآن في العصر الحديث، تميز بأسلوبه الفريد في الانتقال بين المقامات الموسيقية، مما جعل لتلاوته طابعاً خاصاً لا يُنسى .

 الشيخ مصطفى إسماعيل: شيخ القراء الذي تميز بالأداء القوي والعاطفة الجياشة، وكان من المقربين للقصر الملكي والجماهير على حد سواء.

 الشيخ محمد صديق المنشاوي (الصوت الباكي):  لقب بذلك لخشوعه الشديد وأسلوبه الحزين الذي يبكي القلوب قبل الآذان، وحظيت تلاواته بشعبية واسعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

 الشيخ محمود علي البنا:  تميز بطول النفس وجمال الصوت، وكان من المقربين للراحل محمد أنور السادات.

ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فقط، بل ضمت الإذاعة كوكبة نادرة من أمثال أبو العينين شعيشع، ومحمود الطوخي، ومحمود صديق المنشاوي، وغيرهم ممن أضاءوا سماء التلاوة .


 5. البرامج والمذيعون: رسالة تمتد إلى الفكر والسلوك


إلى جانب تلاوة القرآن الكريم، لعبت الإذاعة دوراً كبيراً في مجال البرامج الدينية والثقافية. فقد سعت منذ عام 1966 لتقديم مادة دينية رصينة تستهدف تصحيح المفاهيم ومواجهة الفكر المتطرف وتعزيز قيم الوسطية . من أبرز البرامج التي خلّدتها ذاكرة المستمعين:

 موسوعة الفقه الإسلامي:  برنامج موسوعي ضخم كان بمثابة مرجعية فقهية للمسلمين في شؤون حياتهم.

 دين ودنيا: الذي تناول قضايا الأسرة والمجتمع من منظور إسلامي راقٍ.

 الندوة القرآنية والندوة الدينية: التي كان يناقش فيها كبار العلماء هموم العصر.

 حديث الروح والدين المعاملة:  برامج توعوية قصيرة ذات تأثير كبير في النفوس .


أما بالنسبة للمذيعين، فلم تكن مهمتهم مجرد توصيل الصوت، بل كانوا شركاء في الرسالة. تمتعت الإذاعة بنخبة من "دكاترة الإذاعة" الذين تميزوا بفصاحة اللسان ووقار الصوت وحسن الأداء. على رأس هؤلاء  الإذاعي الكبير شحاتة العرابي ، الذي عمل فيها لأكثر من 35 عاماً وترك بصمة صوتية لا تُمحى . أيضاً  هاجر سعد الدين ، التي كانت أول سيدة تعمل في هذه الإذاعة، وكسرت القاعدة لتصبح رئيسة لها فيما بعد، وتركت بصمة واضحة في برامجها مثل "فقه المرأة" . إلى جانب الإعلامي  محمد عبد العزيز عبد الدايم ، وآخرين .

كلنا تربينا على صوت هذه الإذاعة العريقة في الصباح، ومين فينا ميعرفش برنامج قطوف من حدائق الإيمان، بصوت الاذاعي شحاتي العرابي المميز .

 6. تطور العصر الحديث: ريادة رقمية عالمية


مع تقدم الزمن ودخول العصر الرقمي، لم تقف الإذاعة مكتوفة الأيدي عند حدود الموجات الـ FM والـ AM. فقد واكبت التطور التكنولوجي بخطى ثابتة، مما أكسبها حضوراً قوياً في عصر السوشيال ميديا والتطبيقات الذكية .

تحت رعاية الهيئة الوطنية للإعلام، وبالتعاون مع وزارة الاتصالات، تم إطلاق التطبيق الرسمي والمحدث للإذاعة على متجري "جوجل بلاي" و"آبل ستور". وقد حقق هذا التطبيق نجاحاً مدوياً فور إطلاقه؛ حيث تجاوز عدد مرات تحميله أكثر من 140 ألف مرة في أول 24 ساعة فقط، وتصدر قائمة التطبيقات الأكثر تنزيلاً في مصر والوطن العربي .

وصلت طلبات البث عبر التطبيق من مصر وحدها إلى أكثر من 15 مليون طلب في اليوم الأول، كما لاقى التطبيق انتشاراً واسعاً في دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، مما يعكس استمرار مكانة الإذاعة كمرجعية دينية عالمية . هذا التطوير الرقمي لم يكن مجرد نقلة تقنية، بل كان ترجمة حقيقية لتوجيهات الدولة المصرية برئاسة الرئيس (عبد الفتاح السيسي) للحفاظ على التراث الديني وجعله في متناول الأجيال الجديدة.


 7. اخيراً

 إذاعة القرآن الكريم من القاهرة  هي أكثر من مجرد محطة إذاعية؛ إنها  جامعة متنقلة ، و مدرسة سلوك ، و حصن منيع  ضد محاولات تحريف النص القرآني. بقيت هذه المؤسسة العريقة على مدار 62 عاماً شاهدة على تحولات العصر، حاملةً راية سماحة الإسلام ووسطيته، مقدمةً أصواتاً عذبة وأفكاراً مستنيرة. من أشرطة التسجيل (الأسطوانات) إلى التطبيقات الذكية، أثبتت الإذاعة أنها ليست صوت الماضي فحسب، بل هي حاضرٌ نابض بالحياة ومستقبل واعد للإعلام الديني الهادف. تحية إجلال وتقدير لكل من ساهم في بناء هذا الصرح الشامخ، من قارئ ومذيع ومعد برامج، يظلون جميعاً أيقونات خالدة في قلوب محبي القرآن أينما كانوا.


مواضيع راديو 

عن الكاتب

Mohamed Abdelwahab
تقدر تتواصل معانا عن طريق ارسال تعليق او رساله على الايميل ده veto.werdzman@gmail.com

إرسال تعليق

طباعه