رمضان زمان

شهر رمضان، رمضان زمان، رمضان عصر الملكيه، استقبال رمضان، استطلاع هلال رمضان، زينة رمضان،


رمضان زمان
 

رمضان في "زمن الباشوات": ملحمة الروحانية والأناقة في مصر الملكية

حين نغوص في أعماق الذاكرة المصرية، وتحديداً في تلك الحقبة التي عُرفت بـ "العصر الملكي" (ما قبل عام 1952)، نجد أنفسنا أمام لوحة فنية بديعة؛ حيث كانت القاهرة أشبه بقطعة من أوروبا تمتزج فيها روح الشرق الصوفية بنسمات التمدن الكلاسيكي. لم يكن شهر رمضان في ذلك الزمان مجرد فريضة دينية، بل كان حالة من "الاحتفاء الوجودي" الذي يشمل كل مفاصل الدولة، من القصر الملكي العالي في عابدين، وصولاً إلى أضقف حارة في السيدة زينب أو الحسين.



أولاً: الاستقبال والترقب.. حين كانت القاهرة تستعد للهلال

في تلك الأيام، كانت الاستعدادات لاستقبال رمضان تبدأ قبل قدومه بأكثر من شهر. كان الناس يشعرون بـ "نسمات الشهر" في حركة الأسواق. لم تكن هناك إعلانات تلفزيونية، بل كان "الخبر" ينتقل عبر حركة تجار العطارة في الغورية، الذين كانوا يستوردون أجود أنواع الياميش من الشام وحلب، وأفخر أنواع البخور من الحجاز.

كانت البيوت المصرية، على اختلاف طبقاتها، تخضع لطقس "تبييض المنازل"؛ حيث تُغسل الحوائط وتُلمع الأواني النحاسية لتصبح كالمرآة. وفي الأحياء الراقية مثل "جاردن سيتي" و"الزمالك"، كانت السيدات يُشرفن بأنفسهن على خياطة مفارش جديدة للسفرة وتجهيز "شربات الورد" و"الخشاف" في أوانٍ كريستالية أنيقة. أما في الحواري، فكانت النساء يجتمعن في ساحة البيت يتبادلن "التدبير"، وهو مصطلح يعني تحضير المؤن وتجفيف الخضروات، في جو من الألفة والمودة، حيث كانت رائحة "الصلصة" المسبكة ودقة العطارة تملأ الأجواء.

ثانياً: ليلة الرؤية.. موكب المحمل وهيبة العلماء

كانت ليلة استطلاع الهلال حدثاً قومياً مهيباً. في العصر الملكي، لم يكن إعلان رمضان يتم عبر ميكروفون، بل عبر "موكب الرؤية". كان قضاة الشرع وكبار علماء الأزهر، يرتدون جببهم وقفاطينهم الوقورة، يركبون خيولهم أو عرباتهم الملكية في موكب يتجه نحو المحكمة الشرعية. كان الناس يخرجون من كل حدب وصوب، والجميع يترقب: هل سيُرى الهلال؟

عندما يُعلن ثبوت الرؤية، تطلق المدافع من قلعة صلاح الدين إيذاناً ببدء الشهر. كانت طلقات المدفع في ذلك العصر لها رنة خاصة في القلوب، فهي ليست مجرد تنبيه للإفطار، بل كانت إعلاناً رسمياً ببدء "موسم الرحمة". كانت الأضواء الخافتة تضيء المآذن، وتضاء المساجد الكبرى كالأزهر والحسين والحاكم بأمر الله بمئات القناديل التي تُضاء بالزيت، مما يعطي مشهداً بانورامياً للقاهرة يجعلها تبدو كأنها قطعة من السماء هبطت على الأرض.

ثالثاً: القصر الملكي.. كرمٌ فوق العادة

كان القصر الملكي في عابدين يمثل "نموذجاً" للكرم في رمضان. كان الملك، ومن خلفه كبار الباشوات والوجهاء، يقيمون مآدب إفطار ضخمة. كان "ديوان القصر" يفتح أبوابه للفقراء والمحتاجين، حيث تُجهز مئات "القدور" الكبيرة التي تحتوي على أفخر أنواع الأطعمة.

لم يكن كرم القصر مقتصراً على الطعام، بل امتد لكسوة العيد وتوزيع العطايا النقدية على العمال والخدم والمحتاجين في القاهرة. كان هناك تقليد يُعرف بـ "موكب الصدقات"، حيث يخرج موكب ملكي يوزع "الصرر" التي تحتوي على مبالغ مالية ومواد غذائية، مما يعكس فلسفة التكافل التي كانت تحكم العلاقة بين الطبقة الحاكمة والشعب في ذلك العصر. كان القصر يستضيف في ليالي رمضان كبار المنشدين والمبتهلين، حيث كانت تقام حفلات "الإنشاد الديني" في رحاب القصر، وسط أجواء من الخشوع والرقي.

رابعاً: الأسواق والأسعار.. ميزان البركة

في العصر الملكي، كان الجنيه المصري "ملك العملات"، وكان للمواطن البسيط قدرة شرائية تُحسده عليها شعوب كثيرة. كان سعر "كيلو اللحم الضاني" يتراوح بين 6 إلى 8 قروش، وهو مبلغ زهيد مقارنة بأجر العامل الماهر الذي كان يتقاضى حوالي 5 إلى 10 جنيهات شهرياً.

كانت أسواق "باب اللوق" و"التوفيقية" تزدحم بـ "ياميش رمضان". كان تجار العطارة يبيعون "القمر الدين" السوري الذي كان يُعتبر من أثمن السلع. كان المواطن يشتري "قفة" كبيرة من الخضروات والفاكهة بـ 20 قرشاً فقط. كانت المحلات العريقة مثل "جروبي" و"تسيباس" تخصص أجنحة خاصة للحلويات، حيث كان "صنايعية" الحلويات يتفننون في تشكيل "الكنافة" و"القطايف" أمام المارة، وكان سعر "دستة القطايف" لا يتجاوز قروشاً قليلة. كان هناك نظام "الديون المحترمة"؛ حيث كان البقال يسجل ديون أهل الحارة في "نوتة صغيرة"، ويتم السداد بعد قبض الراتب، وكان هذا النظام قائماً على "شرف الكلمة" التي لا تُنكث.

خامساً: شكل الحواري في رمضان.. سيمفونية التكاتف

الحارة المصرية في العصر الملكي كانت "قرية صغيرة". في رمضان، كانت الحارة تتحول إلى بيت واحد. كانت الموائد تُفرش في "عطفة" الحارة، حيث يخرج كل بيت "صينية" من طعامه ليضعها على مائدة مشتركة.

  • المسحراتي: كان هو "أمير الحارة". كان يرتدي الجلباب والصديري والعمامة، ويحمل طبلته. لم يكن يطرق طبلته فحسب، بل كان يغني لكل بيت "يا فلان قم كل السحور". كان يعرف أسماء الأطفال ويخصهم بدعوات خاصة.

  • الزينة: كانت زينة الحارة تُصنع يدوياً من الورق الملون و"خيوط التيل"، وتُعلق الفوانيس النحاسية في قلب الحارة. كان الأطفال يركضون وهم ينشدون "وحوي يا وحوي"، في مشهد يفيض بالبراءة التي لم تلوثها التكنولوجيا. كان "فانوس الصفيح" بالشموع هو رمز البهجة، وكان الأطفال يفتخرون بفوانيسهم التي صنعوها بأنفسهم.

سادساً: أزياء رمضان.. تباين اجتماعي ساحر

كان لرمضان في ذلك العصر أزياؤه الخاصة. سيدات الطبقة الأرستقراطية كن يرتدين في عزومات الإفطار أثواباً من "الستان" و"المخمل" المستورد من باريس، مع حلي ذهبية وألماس، ويضعن "اليشمك" الخفيف الذي يضفي غموضاً وأناقة. أما في الحواري الشعبية، فكانت السيدة المصرية تخرج بـ "الملاءة اللف" السوداء و"البرقع" المزين بـ "الجنيهات الذهب"، وكانت هذه الملابس عنواناً للوقار والستر. أما الرجال في الطبقة الوسطى والراقية، فكانوا يحرصون في ليالي رمضان على ارتداء "البدلة الإفرنجية" الكاملة مع الطربوش الأحمر، وكان الطربوش جزءاً لا يتجزأ من هيبة الرجل في المجتمع. كان رمضان بمثابة "موسم الأناقة"؛ حيث كانت محلات الخياطة في شارع "شريف" و"قصر النيل" تعج بالزبائن الذين يطلبون تفصيل أطقم جديدة خصيصاً لموائد الإفطار وسهرات التراويح.

سابعاً: يوم رمضاني في حياة موظف بسيط

لنأخذ جولة في حياة موظف بسيط في وزارة المالية في ذلك الوقت. يستيقظ على صوت المسحراتي، يتسحر بـ "الفول المدمس" والجبن القريش والبيض المسلوق. يخرج لعمله ببدلته الأنيقة وطربوشه، يركب "الترام" الذي كان يطوف القاهرة. في العمل، كانت الأجواء هادئة، والموظفون يتبادلون التهاني. بعد انتهاء العمل في الساعة الثانية ظهراً، يتجه إلى "سوق باب اللوق" ليشتري احتياجات البيت. يعود لزوجته التي أعدت "المحشي" والملوخية. بعد الإفطار، يذهب مع أسرته للمشي في "حديقة الأزبكية" أو الجلوس على المقهى ليشرب الشاي الأخضر بالنعناع، ويختتم ليلته بسماع "الراديو" الذي كان حينها يذيع أناشيد دينية لـ "الشيخ محمد رفعت". كانت حياة بسيطة، لكنها كانت غنية بالرضا والسكينة.

ثامناً: رمضان في عيون الرحالة والأجانب

كتب الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في تلك الفترة مذكرات مذهلة عن رمضان. وصف أحدهم القاهرة بأنها "مدينة النور والبهجة"؛ حيث لاحظ الانبهار الجماعي بتزيين الشوارع. كتب رحالة إنجليزي: "لم أرَ في حياتي شعباً يقدس الضيف مثل المصريين في رمضان؛ فهم يعتبرون الشهر الكريم ضيفاً عزيزاً يجب أن يغدقوا عليه من كرمهم وأخلاقهم". كما أشادوا بظاهرة "الموائد المفتوحة" التي كانت تُنصب في الشوارع، معتبرين إياها ظاهرة فريدة من نوعها في العالم، حيث يختفي الفقر تماماً من الشوارع أمام طوفان الكرم.

تاسعاً: الموائد والطقوس.. أرستقراطية الذوق

كانت المائدة في العصر الملكي مزيجاً بين المطبخ المصري الأصيل والمطبخ التركي والفرنسي. كان "البط بالمحشي" و"اللحم الضاني بالخلطة" و"الحمام المحشي" هي أطباق "الباشوات". في المقاهي العريقة كـ "الفيشاوي" و"إسحاق حلمي"، كان المثقفون والأدباء يجتمعون لمناقشة روايات نجيب محفوظ الأولى أو قصائد شوقي، في حواراتٍ عقلية رصينة يقطعها صوت "الحكواتي" وهو يقص سيرة "عنترة بن شداد" في حماسٍ يأخذ الألباب. كانت هذه المجالس هي "صالونات الفكر" التي شكلت وعي جيل كامل من المصريين.

عاشراً: الفن والسينما.. موسم "الزمن الجميل"

كان رمضان هو ذروة موسم السينما في مصر. كانت دور العرض مثل "سينما ريفولي" و"مترو" تعج بالجماهير. الأفلام الرمضانية لم تكن تافهة، بل كانت تلمس قضايا المجتمع. كانت ليلى مراد ومحمد فوزي وفريد الأطرش يغنون في ليالي رمضان، وكانت أغانيهم التي تتغنى بالهلال والبهجة هي "تتر" الشهر الكريم. كان الخروج للسينما في رمضان طقساً اجتماعياً يجمع بين الترفيه واللقاء الاجتماعي.

حادي عشر: الليالي الأدبية ومجالس العلماء

بعد التراويح، كانت المساجد التاريخية مثل "جامع عمرو بن العاص" و"جامع السلطان حسن" تتحول إلى منارات علمية. كان كبار العلماء يلقون الدروس، وكان الناس يستمعون لهم بخشوع. لم يكن الدين حينها صراخاً أو جدلاً، بل كان درساً في الأخلاق والمعاملة. كانت هذه الدروس هي "وقود الروح" الذي يحمي المجتمع من الانقسام.

ختاماً: لماذا نحنُّ إلى ذلك الزمان؟

إن رمضان في العصر الملكي لم يكن مجرد فترة زمنية، بل كان "طرازاً للحياة". كان الرقي في ذلك الزمان نابعاً من احترام الخصوصية، ومن التمسك بالهوية، ومن التقدير للجمال في أبسط صوره. لقد رحل ذلك العصر بباشواته، ومقاهيه، وأناقته، لكنه ترك فينا حنيناً لا ينتهي. نحن اليوم نستعيد هذه الذكريات لنقول إن مصر، رغم تغير الزمن، ستظل دائماً هي "محروسة الله"، وستظل دائماً رائدة في فنون الاحتفال بـ "ضيف الرحمن".

عن الكاتب

Mohamed Abdelwahab
تقدر تتواصل معانا عن طريق ارسال تعليق او رساله على الايميل ده veto.werdzman@gmail.com

إرسال تعليق

طباعه