إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها
الأمثال الشعبية المصرية هي عادات وتقاليد بنتورثها جيل وراء جيل ، وكل مثل مصري بيكون نابع من قلب الحارة المصرية الأصيلة وهو يتميز بأنه يرسم روح الدعابة والضحك المصري الأصيل، مثل مصري كان له الموقف اللي اترسم وإتقال فيه .
حكاية الأمثال المصرية هي قالب وكنز مليئ بالحكم والمواعظ التي صُنعت في قالب قصصي تنتقل بين الناس في كل الأجيال والمراحل العمرية .
المثل المصري اللي هنتكلم عنه النهاردة هو " إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها" من فينا لم يسمع هذا المثل في يومه سواء في البيت أو في الشارع أو حتى في فيلم أو مسلسل مصري كان أو عربي ، وهذا وإن دل فيدل على إن الأمثال المصرية تثبت الحالة والموقف الشاهد على تأليف الأمثال ، حتى وإن كنا مجتمعين في المجالس أو في التعليقات اليومية على تصرفات الصغار .
و أن هذا المثل ليس مجرد كلمات تم وضعها بجوار بعض فقط ، بل بالعكس هذه خلاصة رؤية إجتماعية متوارثة تدور حول الصفات التوارث والتشابة بين الأجيال،ولهذا السبب سينصب التركيز في الحديث على المثل ده ، وماهو أصل المثل وحكايته ، والرسالة التي ينقلها المثل الشعبي الشهير " إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها" لكل الناس .
ماهي أصل مثل إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها، ويعني إيه القِدرة ؟
دعونا نرجع للوراء بقليل في أوقات و أيام البيوت المصرية القديمة خصوصاً الريفية والشعبية ، ونعرف إن " القِدرة " كانت ركن أساسي في كل بيت مصري من هذه البيوت ولا يمكن الإستغناء عنها .
ما المقصود ب القِدرة وما هي إستخدامتها، وماذا يعني بالكانون ؟
القِدرة بكسر القاف ،عبارة عن وعاء فخاري أو نحاسي تستخدم لطهي الفول المدمس ، وهي التي نراها في أي مطعم فول وكذلك على عربيات الفول التي يكون بداخلها ، وفيها بيتم وضع كمية من الفول ومعه المياة وبيتم غلقها بإحكام وبعدين تدخل الى الفرن البلدي أو على " الكانون " وهو عبارة عن شيْ يشبه البوتجاز الصغير ولكنه يتميز بأنه يحتوي على عين نار واحدة، المهم - بعد ما الفول ينضج ويستوي بعدها بيتم قلب كل الفول من القِدرة لتفريغها .
في الثقافة الشعبية القديمة في الأمثال كان الناس يستشهدون فيها من خلال ما يستخدموه من الأواني أو ما شابة ذلك أو ببيئته و أصلة ، وفي المثل هنا استخدم القِدرة لأنها تمثل الأساس الذي يخرج منه الشئ .
فإذا كان الأصل والمقصود بها هنا ( القِدرة ) سليم أو يحمل صفة معينة ، فالطبيعي سيخرج ما وضع فيه بشكل سليم ومطابقاً لما وضع بداخلة، ,ومن هنا جاء الربط بين القِدرة والنتائج التي تخرج منها ، وبين " الأُم " كمصدر لحمل الجينات وللتربية أيضاً ، وبين " الأبنة " كنتاج لهذا الأصل .
من أين جاء مثل " إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها" في الحكايات الشعبية ؟
في أكثر من رواية تحكي حكاية المثل هذا ولكن أكثر الروايات إقناعاً بتدور حول " ربات البيوت " بشكل أكبر . ففي إحدى القرى كانت فيها سيدة وكانت مشهورة جدا بصناعتها للفول المدمس وبيعة للناس ، وكانت هذه السيده تتميز بطابع خاص في مكونات الفول وكانت مشهورة جدا نظراً لجمال الطعم للفول وهذا يرجع للخامات التي كانت تجعل منه طبقاً مميزاً عن غيرها أو كما نقول بالمصرية كده " سر الصنعة " ، وهذا كان الرابط المميز لهذه السيدة - وكانت عندها إبنتها وكانت البنت تراقب أمها في كل شئ وكل تفصيلة خصوصا في صناعة وطهي الفول .
وقتها لاحظ الناس و الجيران والأهل بأن البنت لم تأخذ مهارات الطهي من أمها فحسب، لا لقد اكتسبت طريقة أمها في الحديث والكلام والضحك ، والحركات ، ومع مرور الوقت أصبحت البنت بدلاً من أمها في صناعة وعمل وتجهيز الفول ، وفي مرة من المرات وهي بتقلب قدرة الفول بدلاً من أمها لاحظ الناس إن البنت تقوم بنفس الحركات التي أمها كانت مميزة فيها في قلب " القِدرة " لطهي الفول .
ووقتها الناس الموجودين خرج منهم المثل " إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها" وكلمة " فمها " هنا بترجع للفتحة الدائرية التي يخرج منها الفول ، وإهذا و أن دلل على أن البنت هي إنعكاس لاُمها في كل شئ في الطباع والحركات والمهارات وكذلك الملامح .
تحليل مثل " إقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها " .
المثل يقوم بتوضيح عاملين ( عامل التربيه ، عامل الجينات ) ، وهما عاملين بيتم نقلها من المنشأ و هي الأم إلى الإبنة .
عامل الجينات الوراثية وهو الذي فيه يتم نقل جينات من الأم الى الابنة مثل الملامح أو الضحكة أو الحركات وغيرها ، اما في عامل التربية فاالبنت بتتأثر بشخصية أمها بشكل كبير من حيث الكلام والحركات و أساليب التعامل مع الناس و حتى في إدارة البيت .
هنلاحظ قوة التأثير في البنت من أمها من حيث تقليد الحركات والضحك والكلام وأحيانا الحزن وأيضاً ببعض الأحيان في وضعيات النوم، والهيئة والبنية الجسدية ، وهذا التأثير يحدث على البنت لأنها في سنواتها الأولى تراقب أمها وتكون ملازمة ليها في كل الأماكن وهنا يحدث للطفل التقليد في كل شئ ، حتى في الطباع .
لذا، يمكن القول إن "اقلب القِدرة على فمها تطلع البنت لأمها" هو "قاعدة عامة" في معظم الحالات، ولكنها ليست حتمية مطلقة. فكثير من الفتيات يكسرن هذه القاعدة ويبنين شخصيات مستقلة تماماً عن أمهاتهن، سواء كان ذلك نتيجة للتطور الثقافي، أو التعليم، أو الانفتاح على العالم.
الخلاصة
رغم أن الزمن تغير، وتغيرت معه مفاهيم التربية، إلا أن معنى المثل سيبقى محتفظاً بلمعان الحقيقة؛ فالبنت ستظل دائماً تحمل في داخلها ملامح من أمها، سواء كانت ملامح في الوجه أو ملامح في الروح والشخصية.
وعلى الرغم من محاولات التمرد على الجينات الموروثة، سيبقى الارتباط بين الأم والابنة علاقة أزلية لا يمكن فصلها، فالبنت هي امتداد للأم، والقِدرة دائماً ما تخرج ما وُضع بداخلها من مهارات وقيم ومبادئ.
وفي النهاية، يظل المثل المصري دليلاً على ذكاء الإنسان البسيط الذي استطاع أن يختزل نظريات التربية وعلم النفس في جملة لا تتجاوز بضع كلمات، لتظل محفوظة في ذاكرة كل بيت مصري.
موقع مواضيع راديو